العنود مرفق_ نون النسوة
بدأت الشابة اليمنية نسيبة (24 عاماً) باستخدام خلطة تسمين قيل لها إنها "طبيعية"، تتكون من العسل الممزوج بالمكسرات، في سياق بحثها عن جسمٍ ممتلئ خلال فترة قصيرة، والنتيجة سريعة ولا آثار جانبية، هكذا أُقنعت، دون أن تتخيل أن ذلك سينتهي بها إلى سلسلة من الأمراض.
لم يمضِ وقت طويل حتى تبدلت قناعة نسيبة؛ فقد أصيبت بقرحة في المعدة، وانتفاخ في القولون، وارتفاع في ضغط الدم، مع ظهور خطوط أرجوانية على جلدها وعلامات تمدد واضحة.
ورغم ذلك تقر نسيبة قائلة: "لم يخبرني أحد بالمخاطر، كنت أبحث عن نتيجة سريعة فقط". بينما تقول دعاء (٢٣) أنها أستخدمت خلطة تسمين وكانت عبارة عن شوكولاتة هي واثنتين من عائلتها، وأصبن جميعهن بالكلى.
عشرات من اليمنيات اللاتي يستخدمن خلطات تسمين مجهولة المكونات تُباع علنًا في الأسواق اليمنية، وتُروَّج عبر محلات العسل والبهارات وحساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، نتج عنها إصابتهن بعديد أمراض قادتهن إلى حافة "الموت"، حسبما رصدته معدة التحقيق.
حالات طبية مقلقة
استقبل مستشفى آزال خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي نحو10 حالات مرضية لنساء استخدمن خلطات تسمين، تراوحت أعراضها بين طفح جلدي ومضاعفات خطيرة في العظام؛ وفق تأكيد الاستشاري بالمستشفى عصام الكامل، في حديثه لـ"نون".
رصدت معدة التحقيق بمعية الاستشاري الكامل حالة منها لفتاة في الخامسة والعشرين من عمرها أسعفت إلى المستشفى، وهي تعاني من كسور في مناطق مختلفة من جسمها لا يمكن أن تُصاب بالكسر إلاٌ بحادث سير أو سقوط، وبعد الفحوصات تبين أنها استخدمت خلطات تحتوي على أدوية تسبب هشاشة العظام، أبرزها البرجنزول، وهو ما أكدته الفتاة الضحية.
من السمنة إلى الجلطة
قبل حوالي شهرين رصدت معدة التحقيق رفقة الاستشاري الكامل أيضاً حالتين لنساء، أحدهن مريضة أصيبت بجلطة دماغية وكسور في الحوض وارتفاع حاد في ضغط الدم نتيجة الاستخدام المستمر للخلطات، بينما الأخرى تعاني من نزيف حاد وقرحة في المعدة.
وتتراوح أعمار النساء والفتيات المستخدمات للخلطات بين 18 و35 عامًا، بدافع السمنة السريعة، خصوصًا مع قرب الزواج أو المناسبات الاجتماعية، فيما يسعى بعض الرجال لتحقيق قوة عضلية مؤقتة تنتهي بترهلات وضعف عضلي؛ حسب استبيان الكتروني أجرته معدة التحقيق على 100 امرأة من مختلف المحافظات خلال العام 2025، والذي خلص إلى أن 95% من المتضررات من استخدام الخلطات هن النساء.
مكونات خلطات التسمين
تحتوي خلطات التسمين على مادة الكورتيزون، وهو دواء يتحول داخل الجسم إلى هرمون الكورتيزول، الذي تفرزه الغدة الكظرية فوق الكلى، ويُستخدم طبيًا لعلاج أمراض المناعة الذاتية مثل الذئبة والروماتيزم، لكن استعماله دون إشراف طبي يؤدي إلى زيادة سريعة في الوزن، وارتفاع ضغط الدم والسكر، واحتباس السوائل واضطراب وظائف الكلى، وضعف العضلات وهشاشة العظام، وانخفاض المناعة وكثرة الالتهابات؛ حسبما أفاد أطباء مختصين.
ويتسبب الكورتيزون بترقق الجلد، وظهور حبوب وبثور، وبطء التئام الجروح؛ حسب تأكيد أخصائية التغذية الدكتورة هديل العريفي، لـ"نون".
ويشعر مستخدمي هذه الخلطات بالهدوء المؤقت أثناء الاستخدام، لكن سرعان ما تظهر أعراض حادة بعد التوقف، تشمل تقلبات مزاجية، عصبية، قلق، ضعف في الذاكرة والتركيز، إضافة إلى توزيع غير منتظم للدهون وظهور أكياس دهنية في مناطق مختلفة من الجسم، كما أن التوقف المفاجئ عن استخدامها يسبب اضطرابات هرمونية لكلا الجنسين؛ وفق العريفي.
وأثبتت نتائج تحليل لعينات منها، نفذها البرنامج الوطني للطب التقليدي والتكاملي التابع لوزارة الصحة، احتواء بعض خلطات التسمين على مواد كيميائية بخلاف ما يُعلن عنه بأنها طبيعية بنسبة 100%. وكانت دراسة علمية حديثة أُجريت في مدينة عدن، كشفت أن معظم خلطات التسمين المتداولة تحتوي على ديكساميثازون وسيبروهيبتادين.
وأظهرت الدراسة وجود السيبروهيبتادين في خلطات العسل والكبسولات بنسبة تراوحت بين 0.10% و102.6%، وهي نسب خطيرة تؤدي إلى زيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم والسكر، وانخفاض المناعة، وهشاشة العظام، ما يستوجب استخدامها – إن وُجد مبرر طبي – تحت إشراف صارم.
بيع بلا رقابة
يروج كثير من بائعي خلطات التسمين لمنتجاتهم على أنها "فاتحة شهية" أو "طبيعية 100%"، دون الإفصاح عن مكوناتها الحقيقية، فيما يذكر البعض جزءًا من المكونات ويخفي الأخطر.
معظم عبوات هذه المنتجات لا تحمل أي معلومات عن المكونات، فقد اكتفى أحد الباعة عند سؤاله عن محتوى الخلطة التي يبيعها، بأنها تتكون من "شوكولاتة مع تسمين وأعشاب"، دون تفاصيل دقيقة. يعترف أحد باعة العسل – فضّل عدم ذكر اسمه – بأن خلطات التسمين غير مصرحة رسميًا، لكون وزارة الصحة والهيئة العليا للأدوية، لا تملك أجهزة فحص، لكنه يؤكد أنها "آمنة".
وتُباع هذه الخلطات حصرًا في المجال التجارية التي تُصنّعها، وعبر متاجر إلكترونية وخدمات التوصيل، رغم أنها غير مصرحة.
ترويج عبر المشاهير
ومع أنها تُباع بلا رقابة، فإن ممثلين ومشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي يروجون لهذه الخلطات، عبر إعلانات تُظهر نتائج "قبل وبعد"، متجاهلين المخاطر الصحية المترتبة على استخدامها.
ولايُجيز قانون الهيئة العليا للأدوية "الإعلان عن أي دواء وصفي إلا بعد موافقة رسمية"؛ بحسب المادة (35). وسبق أن أصدرت الوزارة تعميمًا بمنع بيع خلطات التسمين بتاتًا.
فحسب ماقالت (منى العشبي)من البرنامج الوطني للطب التقليدي والتكاملي التابع لوزارة الصحة إنه نفذ نزول ميداني وتم رصد بعض الخلطات الذي تم تحليلها وأثبتت النتائج احتوائها على مواد كيمائية، ولكن بسبب تضارب الصلاحيات بين البرنامج وجهات أخرى داخل الوزارة، إلى جانب الهيئة العليا للأدوية، أدى إلى تعطّل العمل وغياب المتابعة المستمرة، ما دفع إلى إيقاف الإجراءات مؤقتًا في انتظار حسم الجهة المرجعية المسؤولة عن هذا الملف.
السمنة الصحية لا تأتي فجأة، والجسد المثالي لا يُبنى على أدوية مجهولة.
ما تكشفه هذه الحالات ليس مجرد آثار جانبية، بل تهديد مباشر للحياة، يبدأ بملعقة عسل… وقد ينتهي بجلطة أو وفاة.