حوار/ لمياء هاشم - نون النسوة
تحتفظ صنعاء القديمة بطقوس خاصة للولادة، لا تُعامل فيها هذه اللحظة كحدث عابر، بل كمرحلة متكاملة تحيط بها عناية جماعية، وعادات متوارثة تعكس مكانة المرأة والأمومة في المجتمع الصنعاني.
في أحد أحياء صنعاء القديمة، تحكي أم محمد، وهي امرأة تجاوزت السبعين عاماً، عن تلك الطقوس بلهجة دافئة، وكأنها تستعيد بيتاً كاملاً كان يحتفل بالحياة.
تقول :
«من أول ما تدرا المرأة إنها حامل، خلاص .. ما توقعش لحالها. كل الناس يسألوا عليها: ما تخوري؟ ما تشتي؟ ما في نفسش؟، والحامل عندنا مدلعه، حتى لو استحت تطلب».
وتوضح أن الاهتمام لا يقتصر على السؤال فقط، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، مضيفة:
«أي طبخة تطبخ في البيوت، لازم يكون للحامل نصيب منها، يوصل لها من غير كلام، هذا معروف عندنا».
ومع اقتراب موعد الولادة، تبدأ الاستعدادات الفعلية داخل البيت الصنعاني، حيث يتم تجهيز كل ما تحتاجه الوالدة خلال فترة الأربعين يوماً. وتؤكد أم محمد أن الطعام كان أساس هذه المرحلة، قائلة:
«ما بش أكل معلب ولا جاهز، كله بلدي بر للهريش والعصيد، سمن، عسل، دجاج بلدي، وقهوة الوالدة، هذه أشياء ما كنا نستغنى عنها».
وتشير إلى أن مسؤولية التجهيز كانت موزعة بين أهل الزوج وأهل الوالدة، موضحة:
«عشرين يوم على أهلها، وعشرين يوم على أهل زوجها، وكل واحد يعرف واجبه».
ولا تقتصر التحضيرات على الطعام فقط، بل تشمل تجهيز ملابس المولود، وعلى رأسها “الشاشة” التي تُغطّى بها الطفل، وغالباً ما تكون مطرزة يدوياً. وتقول أم محمد بابتسامة:
«كنا نطرّز الشاشة ونكتب فيها الحمد لله على السلامة أو مبروك، ونرسم رسومات بسيطة، كل شي له طعم خاص».
وعن لحظة الولادة نفسها، تستعيد أم محمد تفاصيل المكان، قائلة:
«المرأة تولد في المكان العجمي، غرفة دافية ما لها نوافذ، يقولوا هذا يسهّل الولادة ويبعد التعسير».
بعد الولادة، تنتقل الوالدة إلى غرفة مخصصة لاستقبال المهنئين، حيث تجلس من عشرة أيام إلى أسبوعين بحسب حالتها الصحية. وتوضح أم محمد:
«الزيارات تكون خفيفة، بس سلام ودعاء، لأن الوالدة محتاجة راحة».
وتعد لحظة التبشير بالولادة من الطقوس المهمة، إذ كان يُكلّف أحد أطفال البيت بإيصال الخبر. وتقول أم محمد:
«الطفل يلف الحارة ويقول: نبشركم فلانة ولدت، والرد دايماً يكون: بشرك الله بوجه النبي، وجنة بعافيتها».
وتلفت إلى أن كلمة “مبروك” لا تُقال للوالدة في صنعاء، موضحة:
«نحن نقول جنة بعافيتها، لأن العافية أهم من أي شيء».
وتؤكد أن المجتمع الصنعاني لا يفرق في الفرح بين الذكر والأنثى، وإن كانت هناك رموز بسيطة للتعريف بجنس المولود، مثل المحجرة أو الزينة التي توضع على جبين الطفل.
وتختم حديثها بالقول:
«أربعين الوالدة مشو تعب بس، هي أيام فرح ولمة ودعاء، ولما يجي يوم الوفاه، نعرف إن الحكاية اكتملت، وإن البيت رجع يتنفس».