أسماء شمسان - نون النسوة
في كل قرية يمنية، ثمة رجال ونساء يستيقظون باكراً ليفتحوا آفاقاً جديدة لمحو الأمية الأبجدية وتعليم كتاب الله، قد لا يعرف العالم أسمائهم، لكن قصصهم الملهمة تصنع فرقًا حقيقيًا في مجتمعات أنهكتها الحرب والحرمان.
فقد شهدت قرية العٌتبة الواقعة بمديرية القفر، محافظة إب، وعديد قرى مجاورة، مبادرة تعليمية أهلية أسهمت في فتح آفاق جديدة للنساء والفتيات والأطفال، من خلال إنشاء مركز لتعليم القرآن الكريم ومحو الأمية، بدعم من فاعلي خير من أبناء المنطقة المغتربين، بعد أن تبرّع أحد سكان القرية بمنزلهُ الخاص ليكون مقرًا له وسكن للمعلمة رويدا خالد الذي تديره وزوجها عبدالله محمد ، وتكفّلوا بتوفير راتب مناسب لهما، إضافة إلى المستلزمات الأساسية مثل المصاحف والسجادات والهدايا التي تُوزع على النساء المجتهدات بين الفترة والأخرى لتشجيعهن وتحفيزهن على الاستمرار.
تقول رويدا لـ"نون": "كنت أعمل في مركز إتقان لتحفيظ القرآن بمدينة إب، ثم تلقيت عرضًا من أحد المغتربين للتدريس بقريتهِ مقابل راتب مناسب وسكن مجاني، فاقترحت الفكرة على زوجي فوافق، وانتقلنا مع طفلينا أسيل ومحمد، ولاقينا ترحيبًا كبيرًا من أهالي القرية، واستمرينا في العمل: فكنت أعلم النساء والفتيات وهو يعلم الأولاد".
نظمت المعلمة رويدا وقتها بين فئتين من النساء؛ فقد خصصت بعد الظهر لتقديم حصصًا للنساء الأميات، لتعليمهن الحروف، وكتابة الأسماء، ونطق الكلمات، والقراءة البسيطة. وبعد العصر، انتقلت إلى الفتيات المتعلمات، حيث ركّزت على تحفيظهن القرآن الكريم، وتعليمهن أحكام التجويد، وتصحيح التلاوة؛ كما قالت.
حياتي تغيرت
تقول رجاء محمد إحدى المستفيدات: "كنت لا أستطيع القراءة والكتابة، وكنت دائمًا أحلم أن أحفظ القرآن. واليوم أصبحت أقرأ وأكتب، وقد حفظت 21 جزءًا من القرآن الكريم. أشعر أن حياتي تغيّرت تمامًا".
![]()
من متعلمات إلى معلمات
تمكنت المعلمة رويدا خلال فترة زمنية قصيرة، من تأهيل 17 فتاة من مختلف القرى على إتقان التجويد والقراءة الصحيحة للقرآن، إضافة إلى حفظ عدة أجزاء. وتم بعد ذلك إسناد مهمة فتح مراكز صغيرة في القرى لتلك الفتيات، بحيث يقمن بتحفيظ القرآن ومحو أمية النساء في منازلهن، بعد أن يتبرع أحد الأهالي بمكان مناسب.
وتحصل المتطوعات على مبالغ مالية رمزية تحفيزية من فاعلي خير، إضافة إلى هدايا عينية مابين مصاحف وسجادات، لتشجيعهن على الاستمرار في التعليم.
وفي شهر رمضان من كل عام، يحتفل المركز بالنساء اللاتي أتممن حفظ القرآن أو أجزاء منه، بتقديم جوائز تحفيزية للمتفوقات، ما يخلق روحًا من الحماس والمنافسة بين بقية النساء والفتيات.
بدورها التقت "نون"، فارس القديمي أحد الخيرين ،إذ قال: "أنا ابن هذه القرية وأعرف أن بناتها ذكيات وقادرات على التعلم، لكن عدم وجود مدارس قريبة خاصة بالبنات يحرمهن من التعليم، وكثير من الأهالي يرفضون إرسال بناتهم للدراسة في مناطق بعيدة أو مختلطة، لذلك قررنا دعم هذا المركز ليأخذن فرصتهن في التعلم وحفظ القرآن، كغيرها من الفتيات في ربوع اليمن السعيد".