بقلم : لمياء هاشم شرف الدين
في زحمة الحياة وصخبها، بين أدوار الأمهات الفاضلة التي يُنوَّه عنها دائمًا، يبقى هناك دور عظيم يخطّ بصمته في الروح بهدوء، دورٌ غالبًا ما يُوصف بـ"الصامت"، لكن صداه يدوي طويلًا في نفس الابنة… إنه دور الأب.
الأب ليس مجرد اسم في شهادة الميلاد، ولا مجرد موردٍ للمعيشة. إنه أول رجل تقع عليه عينا الطفلة، وهو مَن تُعلّق عليه قلبها قبل أن تعي معنى التعلّق. فيه ترى الصورة الأولى للأمان والحنان، وفيه تتعلّم معنى الاحترام.
نظرة القبول في عينيه هي أولى لبنات تقديرها لذاتها، وكلمته المشجّعة هي الريح التي تدفع أشرعة أحلامها إلى بحار الإنجاز.
يؤكد علم النفس أن الابنة التي تحظى بحب أبيها وتشعر بتقديره الخاص لها، تنمو وهي تحمل درعًا نفسيًا أقوى في مواجهة عواصف الحياة.
أبٌ يُصغي، يُشارك، يُوجّه بحنان، ويُشجّع بحكمة، لا يبني طفلة سعيدة فحسب، بل يصنع امرأة واثقة، قادرة على العطاء، وعلى الاختيار، وعلى أن تقول "لا" حين يجب، و"نعم" حين تستحق.
كم من فتاة حققت إنجازًا عظيمًا، وكانت أول كلمة نطقت بها في لحظة النصر: "أبي"!
لأنه كان الحلم الذي يسبق أحلامها، واليد التي تسندها حين تتعثر، والصوت الذي يهمس: "أنتِ قادرة" حين تبدأ الشكوك في الهمس.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتب عن فكرة مجردة، بل عن تجربة عشتها بكل تفاصيلها.
أنا ابنة الشهيد هاشم شرف الدين، الذي ارتقى شهيدًا في العدوان الصهيوني الغادر الذي استهدفه مع عدد من وزراء الدولة في أغسطس الماضي بالعاصمة صنعاء.
كم كنتُ أتمنى أن يأتي موعد تخرجي من الجامعة، ووالدي أول الحاضرين، أول من يعانقني مباركًا لي هذا الإنجاز.
كنتُ أتخيله جالسًا في الصفوف الأمامية، يبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي كانت تطمئن قلبي دائمًا.
لكن الأقدار شاءت أن يسبقني إلى ربه شهيدًا، وأن أُكمل الطريق بدعواته التي تركها خلفه، وبالإيمان الذي زرعه في داخلي.
وجدتُ في تشجيعه — بعد الله سبحانه وتعالى — الجرأة لأحلم، والقوة لأحاول، والصبر لأكمل.
كان يؤمن بي في اللحظات التي كنتُ أشك فيها بنفسي، ويرى فيّ ما لم أكن أراه بعد.
لم يكن يدفعني بالصوت العالي، بل بالثقة الهادئة، وبكلمات قليلة لكنها صادقة، كانت كفيلة بأن تغيّر مسار عمري.
غيابه علّمني أن الأب لا يرحل حقًا؛
هو فقط ينتقل من مكانٍ نراه إلى مكانٍ نشعر به.
يبقى صوته في الداخل، وبصمته في القرارات، وظلّه في كل خطوة نجاح.
سلامٌ عليك يا أبي في عليائك.
سلامٌ على قلبك الذي علّمني الطمأنينة، وعلى يدك التي أمسكت بي في أول الطريق.
ستبقى حكاياتي كلّها تبدأ منك… وتنتهي بالدعاء لك.