المشاريع المنزلية ... اقتصاد صامت تقوده نساء

أسماء شمسان _ ملاك عبده 

نون النسوة


خلف أبواب المنازل الصغيرة وبين أركان المطابخ تقود نساء يمنيات معارك صامتة بعزيمة وإصرار على أن القوة والكفاح ليس لها حدود، في سبيل إعالة أسرهن وفتح نافذة أمل لآلاف منهن. 

من بين هؤلاء النسوة الثلاثينية فاطمة الرفاعي، التي تركت منزلها المكون من ثلاثة طوابق في مديرية صالة بمحافظة تعز بعد وفاة زوجها، لتبدأ حياة جديدة مع بناتها الأربع وسط تحديات كبيرة. 

تقول فاطمة لـ"نون": "بعد وفاة زوجي جراء جلطة قلبية أثناء الحرب في منطقة صالة التي اسكن بها اضطررت للنزوح إلى صنعاء للبحث عن الأمان أنا وبناتي تاركة بيتي المكون من ثلاثة طوابق، مع الآثاث، وبدأت من الصفر ببناء حياة جديدة دشنتها بالعمل في صناعة البخور والعطور المنزلية، وهذا الشيء الوحيد الذي كنت أعرف أعمله لأني أمية ولا أستطيع العمل بمكان آخر". 

كان شغلي بالبداية متعب جدا لأني لم أكن معروفه لدى الجيران، فكنت أذهب للمنازل المجاورة لعرض منتجاتي، وابيعهن بأسعار قليلة كي أكسب زبائن واستطيع تسديد إيجار البيت وتوفير لقمة العيش ومساعدة بناتي في استكمال تعليمهن؛ وفق فاطمة.

نساء معيلات

ليست فاطمة المعيلة الوحيدة لأسرتها، فهناك 416.8 أسرة على مستوى اليمن تعيلها نساء، وتمثل حوالي 11.4% من إجمالي الأسر في البلاد؛ وفق تقرير حديث للبنك الدولي، أشار أيضاً إلى أن هناك 50 ألف امرأة متزوجة فقدن أزواجهن من عسكريين أو مدنيين خلال الحرب، ما يعني "أن هناك أكثر من نصف مليون أسرة تعولها نساء، وربما يكون العدد أكبر من ذلك". 

وأجبرت الحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات آلاف النساء على دخول سوق العمل أو إنشاء مشروعات منزلية لتأمين احتياجات أسرهن، في ظل انقطاع الرواتب وتدهور الاقتصاد.

وأصبحت شريحة واسعة من النساء معيلات للأسر بعد فقدانهن العائل، وأسهم تدهور الأوضاع الاقتصادية وقطع المرتبات في توسيع دائرة الفقر، ما دفع آلاف الأسر إلى النزوح أو الهجرة بحثًا عن مصادر للعيش؛ حسب منظمة ميون لحقوق الإنسان.

تجربة جديدة

وإلى جانب الرفاعي، رصدت "نون" تجربةً جديدة تعكس روح المبادرة لدى المرأة اليمنية، بطلتها الشابة هديل منصور الفقيه (أم حلا)، الحاصلة على بكالوريوس لغة إنجليزية من كلية التربية بجامعة صنعاء، التي تحدت الظروف، وبدأت مشروعها المنزلي "حلا كيك"، تجسيداً لمهاراتها المنزلية.

تقول هديل: "لم استطع أن أجد عمل بمبلغ مناسب يسد احتياجاتي وبناتي، فكل العروض التي قدمت لي كانت براتب رمزي لم يتجاوز الـ 25 ألف ريال".

مع انخراط زوج هديل بالأعمال الحرة وما يرافقها من تذبذب في الدخل، اضطرها لافتتاح مشروع "حلا كيك"، ليكون مصدر دخل مساند لها ولأسرتها ولو بالشيء اليسير.

كانت هديل في بداية عملها بالمشروع تطلب من جيرانها تكلفة المكونات فقط وهي تعمل الكيك لكي تكسب ثقتهم، ومع الوقت صار عندها زبائن أكثر، وأصبح المشروع مصدر دعم لها ولأسرتها؛ كما تضيف.

ورغم بساطة المشروع واعتماده على إمكانيات مالية محدودة، إلا أنه استطاع أن يزيح جزءًا من أعباء المعيشة عن كاهل الأسرة، واسهم في تحسين الدخل بشكل نسبي، ليغدو مصدر دعم مساعد إلى جانب دخل زوجها.

ووفق تقارير منظمات محلية، فإن نسبة النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية زادت بنسبة تتجاوز 60٪ منذ بداية الحرب في اليمن، معظمهن يعملن في مجالات الحرف اليدوية والزراعة والتجارة المنزلية والتعليم المجتمعي وهذه النسبة تمثل تحول نوعي في دور المرأة من مستهلكة إلى منتجة، على الرغم من محدودية الإمكانات.

تكافؤ الفرص

وتتمتع المرأة اليمنية باستقلالية اقتصادية وفقاً لقانون العمل، ولها الحق في توقيع العقود وإدارة ممتلكاتها الخاصة، كما أنها تتساوى مع الرجال في كافة شروط العمل والحقوق والواجبات، وفرص العمل متاحة للرجال والنساء على حد سواء، وتؤكد المادة 19 من الدستور اليمني على تكافؤ الفرص لكافة المواطنين في المجال الاقتصادي.

  وبالرغم من ذلك، تعاني المرأة اليمنية من تقييد عملها الاقتصادي بشكل عام، نتيجة لصعوبة الموازنة بين المسؤوليات الأسرية ومسؤوليات العمل. وتذيلت مؤشر الفجوة العالمي بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي لأكثر من 14 عامًا، فيما يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن "90% من اليمنيات في سن العمل لا يشاركن في القوى العاملة"

شارك المقال: