العنود مرفق _ نون النسوة
ترفض عائلة الشابة اليمنية “آمنة محمد- 22 عاماً”، تزويج أي فتاة في الأسرة بشخص من خارجها بدافع عدم رغبتها في إدخال أحد ليأخذ ثروة الآباء؛ في إشارة ضمنية على منع الفتيات من أخذ حقهن الشرعي والقانوني من الورث. ومع أن “سعاد أحمد” (42 عامًا) ترغب في الحصول على حقها الشرعي من الميراث، لكنها تخشى أن يؤدي ذلك إلى الجفاء وانقطاع صلة الرحم مع إخوتها، لذلك فضّلت الصمت، خوفاً من العواقب الإجتماعية.
اطلعت سعاد على تجارب نساءً من محيطها طالبن بحقوقهن، وكانت النتيجة تفككًا أسريًا وقطيعة كاملة من قِبل الإخوة.
وثقت معدة التحقيق شهادات نساء أخريات إلى جانب آمنة وسعاد، فقد باعت “سلوى صالح” (35 عامًا)، ورثها من أخيها بثمن ضئيل لا يتناسب مع قيمته الحقيقية. تقول سلوى لـ"نون": "عندما أخبرته أن السعر لا يساوي نصيبي، قال هذا الذي استطعت جمعه، ولا أريد أن يدخل غريب فيما هو حق أبونا".
غير أن معاملة شقيق “هند قاسم” (50 عامًا) تغيرت معها بشكل كلي، بعد مطالبتها بحقها في الميراث.
تقول هند إنه “بدأ يعاملني كغريبة، وكأن أخوّته كانت مرتبطة بالمال فقط، وكأن زياراته لي مشروطة بما يقدّمه من الورث”.
وواجهت هند ألفاظًا جارحة من العمات والجدات، وصفنها بأنه “قليلة الحياء، جاءت تطالب أخاها بالورث”.
حق شرعي وقانوني وكفلت الشريعة الإسلامية والقانون اليمني حق المرأة في الميراث، و"لا يوجد أي سبب قانوني أو شرعي يمنع المرأة من نصيبها"؛ وفق تأكيد المحامي وائل غيلان القدمي، لـ"نون".
يقول القدمي إن "العائق الحقيقي يتمثل في تسلّط الرجل وقوته داخل الأسرة، خاصة من قِبل الإخوة الذكور، والمطالبة بالميراث لا تستوجب قطيعة الرحم، كونه حقًا شرعيًا ثابتًا".
ويُجرّم القانون بعض الأساليب والممارسات المستخدمة للضغط على المرأة للتنازل عن حقها والتي تشمل التهديد، والضرب، والقطيعة، والابتزاز العاطفي.
وقد تستغرق قضايا الميراث في المحاكم، سنة أو سنتين، وأحيانًا تمتد إلى خمس أو حتى عشر سنوات، وتختلف بحسب الملابسات، والمشكلة ليست في النصوص القانونية، بل في التطبيق داخل المحاكم؛ وفق القدمي.
تنشئة خاطئة ويعد حرمان المرأة من الميراث ناتج عن بنية اجتماعية تقليدية لم تنتقل بعد إلى مفهوم “مجتمع الدولة”؛ حسب تأكيد الباحث في علم الاجتماع بجامعة صنعاء، الدكتور عبدالإله الشميري، في حديثه لـ"نون".
وقد أفرزت هذه البنية تنشئة اجتماعية خاطئة تقوم على تفضيل الذكور على الإناث، وعدم إتاحة الفرصة للبنت للتعبير عن نفسها، إلى جانب الهيمنة الذكورية على القرارات داخل الأسرة؛ وفق الشميري.
وتُعد نظرة الأسرة إلى ميراث المرأة باعتباره سينتقل إلى “شخص غريب”، خاصة إذا كان الزوج من خارج العائلة، من أبرز أسباب محاصرة المرأة ومنعها من المطالبة بحقها؛ يقول الشميري.
ولاتزال الأعراف القبلية تؤمن بمنطق “البقاء للأقوى”، وتتعامل مع المرأة على أنها كائن ضعيف لا يحق له المطالبة بالإرث، بل وقد تُشيطن اجتماعيًا إذا طالبت بحقها، والأخطر من ذلك هو تطبيق الدين بصورة خاطئة، تصل أحيانًا إلى تكريس أفكار مغلوطة مثل اعتبار صوت المرأة عورة، واستخدام الدين كأداة لإسكاتها، إلى جانب غياب قانون فعّال يُطبَّق على الجميع دون استثناء؛ حد تعبير الشميري.